لماذا ليس عذر للإنسان لنكران وجود الله؟

يشدد الكتاب المقدس على أنَّ الله قد أظهر نفسه لكل إنسان لدرجة أنَّ نكران الإنسان لوجود الله هو بلا عذر. يقول الرسول بولس:

رو ١: ١٦-٢٠

١٦‏لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنـْجِيلِ ٱلْمَسِيحِ، لأَنـَّهُ قُوَّةُ ٱللّٰهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ: لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ. ١٧لأَنْ فِيهِ مُعْلَنٌ بِرُّ ٱللّٰهِ بِإِيمَانٍ، لإِيمَانٍ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ أَمَّا ٱلْبَارُّ فَبِـٱلإِيمَانِ يَحْيَا. ١٨لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ. ١٩إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ، ٢٠لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ

فيعلن الله من خلال هذا النص أنَّ مسؤولية الإنسان كبيرة، وذلك بعدة طرق.

غضب الله

إنَّ سبب إعلان بر الله في الإنجيل هو الإعلان المــُسبق لغضب الله (رو ١: ١٦-١٨). وسبب إعلان غضب الله كان فجور الناس وإثمهم (رو ١: ١٩). فمجيء الإنجيل كان لينقذ البشرية من غضب الله.

الفجور والإثم

يتم وصف شر الإنسان بكلمتين: ’’فجور‘‘ و ’’إثم.‘‘ إنَّ كلمة ’’فجور‘‘ هي حرفيًا ’’دون عبادة،‘‘ وتشير إلى العيش دون أي تديُّن أو خشوع أو تقوى أو فكر أو عمل أو ضمير نحو الله. بينما كلمة ’’إثم‘‘ هي حرفيًا ’’دون بر‘‘ أو ’’دون عدل،‘‘ وذلك بالانحراف عن الاستقامة الأخلاقية في القلب والكلام والعمل. فكلمة ’’فجور‘‘ وكلمة ’’إثم‘‘ تشيران إلى العيش دون الله، ودون قوانين الله. فيبدأ الإنسان بحجز الحق بالإثم، وهذا يقوده إلى فجور وثم إلى المزيد من الإثم. بمعنى آخر، يختار الناس أن يؤمنوا بإله من صنعهم.

الحق ومعرفة الله

حجز الإنسان للحق يعني أنَّ الحق متوفِّر عنده. فهم ’’يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ‘‘ (رو ١: ١٨). وإنَّ هذا الحق يتعلق بمعرفة الله ’’إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِم‘‘ (رو ١: ١٩)، والتي هي إعلان عام متوفِّر لكل الناس، في كل مكان وزمان. هذه المعرفة ظاهرة فيهم ولهم: ’’إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ‘‘ (رو ١: ١٩). وتم الإشارة إلى ما يُعرف عن الله بالترجمات التالية: ’’واضح‘‘ و’’أوضحه‘‘ (البولوسية)، و’’بيِّن‘‘ و’’أبانه‘‘ (اليسوعية).

فإنَّ محتوى المعرفة هو ’’أمور الله غير المرئية‘‘ والتي تشمل قدرته السرمدية ولاهوته (أي ألوهيته أو طبيعته الإلهية): ’’أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ... قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَه‘‘ (رو ١: ٢٠). أي أنَّ القوة التي يعرفها الإنسان ليست قوة عمياء، بل قوة مقرونة بشخصية إلهية، وهي أعظم شخصية.

غير المرئي يصير مرئيًا

(رو ١: ٢٠)

 ’’لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ‘‘ 

فكلمة ’’لأن‘‘ تشير إلى أنَّ السبب وراء معرفة الله ظاهر لكل إنسان وهو أنَّ أموره تُفهم بالخليقة. فالأمور التي لا تُرى (غير المنظورة) تُرى، وذلك بالإدراك (الفهم) من خلال الخليقة (المصنوعات). أي أنَّ الخليقة تترجم الإدارك المزروع في الإنسان مسبقاً من الله. الواحد يكمل الآخر. ويمكن ترجمة الآية على النحو التالي:

(رو ١: ٢٠؛ ترجمة شخصية)

منذ أن خُلق العالم، يستطيع الإنسان أن يفهم ويدرك صفات الله غير المرئية، كقوته السرمدية وألوهيته، لأن إدراكها ممكن من خلال الأشياء التي خلقها

النتيجة

خلاصة ما سبق هو أنَّ كل الناس تعرف الله. والنتيجة هي ’’حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ‘‘ (رو ١: ٢٠بـ). ومرة أخرى، إنَّ الدينونة ليست بسبب رفض البشر للمسيح الذي لم يسمعوا عنه، بل بسبب الخطية العاملة ضد الاستنارة التي فيهم، والتي بالتالي تقود إلى رفض أي استنارة تخص المسيح.


المصدر: كتاب عماد شحاده، أيثق الله بك... أنك تثق به؟ الجزء الأول: الأخطاء الشائعة عن الشر والألم (بيروت، لبنان، دار منهل الحياة، ٢٠١٩)، والفصل الثاني بعنوان ’’التوافُق مع إله كلي المحبة والقُدرَة.‘‘