لماذا من الخطأ الشك بصفات الله عند حصول التجارب؟

إنَّ الشك بصفات الله يعتمد على احتمالين. الاحتمال الأول هو أنَّ الله يستطيع أن يوقف الشر ولكنه يأبى فعل ذلك، وبالتالي يكون قادر ولكن غير محبّ، ولذلك لا يُوثق به. أما الاحتمال الثاني فهو أنَّ الله لا يستطيع أن يوقف الشر، وبالتالي يكون محبّ ولكن غير قادر، ولذلك لا يُتَّـكل عليه.

وقد يبدو للكثيرين بأنَّ الشك بصفات الله هو أيضًا استنتاج منطقي كالشك بوجود الله. ولكن هناك صعوبات كبيرة في هذا الاستنتاج يجب التنبه لها.

الفخ

يقع من يشك بصفات الله في الفخ نفسه الذي يقع فيه من يشك بوجود الله. فهو أيضًا يعبِّر عن استنتاج متسرِّع نابع من قياس مزدوج أو قياس مُختلَق. ويتم اللجوء إلى مقاييس شخصية لما هو حق وباطل. ويصبح الإنسان ديانًا لله ولبره وصلاحه، وكأنَّ الإنسان هو أكثر فهمًا وحكمةً ورأفةً. وبالتالي يأخذ الإنسان مكان الله.

الشر والألم

إنَّ الشك بوجود الله أو بصفاته يقود إلى عدم فهم الشر والألم بدلًا من فهم أعمق للشر والألم. كما أنه لا يساعد في مواجهة الشر والألم. فهذا يأسر الإنسان في متاهة من الضعف واليأس، ويعمل ضد النفس نحو الدمار بدلًا من بناء النفس نحو المتانة. ويصير استخدام الشر ضد الله بدلًا من العمل مع الله ضد الشر. كما ويصبح هناك هروب من الله بدلًا من اللجوء إليه. وكل ذلك يغلق الباب على أي احتمال آخر.

من قصص الكتاب المقدس المعروفة هي قصة يوسف. فلولا الآلام التي اختبرها من ظلم وخيانة وتشريد وسجن واتهامات لما أصبح تلك الأداة القوية التي استعملها الله في تغيير شعب مصر بالإضافة إلى عائلة يوسف التي أصبحت نواة الشعب القديم! وعلى نفس نمط قصة يوسف، يقرّ الكثير من الناس أنَّ سبب نجاحهم أو فرحهم في الحياة هو اجتياز آلام كبيرة في ماضيهم. وكثيرون يعترفون بأنَّ مرضهم الجسدي نتج عنه نمو روحي لم يختبروه من قبل. وهناك من خسر بصره الذي قاده لربح بصيرة لم يعرفها مُسبقًا. ومع أن هؤلاء الناس لم ولن يختاروا اختبار الآلام التي مروا بها، لكنهم بالوقت نفسه غير مستعدين لخسارة ما اكتسبوه من حكمة وأخلاق وقوة واتضاع بسبب هذه الآلام.

وجهة نظر الله

إن كان البشر يستطيعون بعد مضي فترة من الزمن رؤية أسباب جيدة وصالحة لبعض الآلام التي اجتازوا بها، أليس من الممكن وجود أسباب جيدة وصالحة لكل ألم من وجهة نظر الله؟ فإن كان إلهك صغيرًا لدرجة أنَّه لا يقدر أن ينتصر على الشر والألم، فلن يكون كبيرًا كفاية حتى تؤمن به!

يصرّ العهد الجديد على أنَّ وجود الشر والألم يقوِّي الإيمان. مثلًا،

يقول بطرس:

١بط ١: ٦-٧

 ٦الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ، مَعَ أَنَّكُمُ الآنَ ­ إِنْ كَانَ يَجِبُ­ تُحْزَنُونَ يَسِيرًا بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، ٧لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ [برهان] إِيمَانِكُمْ، وَهِيَ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ، تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ 

ويقول بولس:

رو ٥: ١-٥

١فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، ٢الَّذِي بِهِ أَيْضًا قَدْ صَارَ لَنَا الدُّخُولُ بِالإِيمَانِ، إِلَى هذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا مُقِيمُونَ، وَنَفْتَخِرُ عَلَى رَجَاءِ مَجْدِ اللهِ. ٣... بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضًا فِي الضِّيقَاتِ، عَالِمِينَ أَنَّ الضِّيقَ يُنْشِئُ صَبْرًا، ٤وَالصَّبْرُ تَزْكِيَةً، وَالتَّزْكِيَةُ رَجَاءً، ٥وَالرَّجَاءُ لاَ يُخْزِي، لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُعْطَى لَنَا 

فإن الوعد هو ليس ’’أن كان هناك آلام‘‘ بل ’’متى كان هناك آلام.‘‘ فلا يعطي الله أي وعد بعدم وجود الألم، ولكنه يعد بحضوره الدائم وقت الآلام.

إنَّ ما سبق يعني أنَّ وجود الشر والألم يدعم الإيمان بوجود الله وبكمال صفاته. إنْ كان الله صغيرًا لدرجة أنه لا يقدر أن ينتصر على الشر والألم والشيطان، فلن يكون كبيرًا كفاية للإيمان به! وبالحقيقة، تم إعلان إفلاس نظرية عدم توافق وجود الشر والألم مع وجود إله كلي المحبة وكلي القدرة من قِبل أشهر الفلاسفة اليوم فليس هناك بالضرورة تناقض بين وجود الشر والألم ووجود إله محبّ وكليّ القدرة.

المسيح، متخذاً مكاننا

إنَّ الكتاب المقدس يعلن أنَّ الله في المسيح صار مثل الإنسان في التجسُّد، وأخذ مكان الإنسان في تحمُّل عقاب الخطية في الصليب. فالإله الذي لا يتألم، تألم إلى درجة الموت عن الإنسان. وهذه هي رسالة الإنجيل، الخبر السار، الله صنع شيئًا عظيمًا للإنسان. ومن أجمل ما كُتب بالوحي عن آلام المسيح جاء في نبوة إشعياء قبل مئات السنين من مجيئه كالعبد المتألم، وهو الأمر الذي لم تتوقعه البشرية:

إش ٥٣: ٢-٥

٢... لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُ. ٣مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ. ٤لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولاً. ٥وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا  

لا يمكن النظر إلى الصليب والشك بمحبته! كما أنه لا يمكن النظر إلى القبر الفارغ والشك بقدرته!


المصدر: كتاب عماد شحاده، أيثق الله بك... أنك تثق به؟ الجزء الأول: الأخطاء الشائعة عن الشر والألم (بيروت، لبنان، دار منهل الحياة، ٢٠١٩)، والفصل الثاني بعنوان ’’التوافُق مع إله كلي المحبة والقُدرَة.