ما هي طبيعة الشك؟

التلاميذ يشكون

إنه من المدهش أنَّ العهد الجديد يعلن بصراحة أنه، بالوقت نفسه الذي سجد فيه التلاميذ للمسيح، كان الشك يراود بعضهم:’’وَلَمَّا رَأَوْهُ سَجَدُوا لَهُ، وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ شَكُّوا‘‘ (مت ٢٨: ١٧). كما يستخدم البشير متى الكلمة نفسها مرة واحدة أخرى للدلالة على شك بطرس عندما قال له الرب، ’’يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ؟‘‘ (مت ١٤: ٣١بـ). تشير هذه الآيات إلى عدة استنتاجات هامة عن طبيعة الشك.

طبيعة الشك

لا يتولَّد الشك بسبب غياب الحقائق أو الإثباتات، بل هو موجود برغم الحقائق والإثباتات. فقد رأى التلاميذ الكثير من معجزات المسيح. فرأوه يشفي الكثير من المرضى (مت ٤: ٢٣-٢٥)، ومنهم الأبرص (مت ٨: ١-٤)، وخادم قائد المائة (مت ٨: ٥-١٣)، وحماة بطرس (مت ٨: ١٤-١٥)، والمفلوج الذي أُنزل له من السقف (مت ٩: ١-٨)، والأعميين (مت ٩: ٢٧-٣١)، والأخرس المجنون (مت ٩: ٣٢-٣٣). كما ورأوه يخرج الأرواح الشريرة (مت ٨: ١٦؛ ٨: ٢٨-٣٤)، ويقيم ابنة الرئيس (مت ٩: ١٨-١٩)، ويُسكت العاصفة (مت ٨: ٢٣-٢٧). والآن يرى بطرس المسيح ماشيًا على المياه، بل هو بنفسه أيضًا مشى على المياه بأمر من المسيح. وثم في نهاية إنجيل متى، مكتوب أنَّ كل التلاميذ رأوا المسيح مقامًا، وبالرغم من ذلك شكوا! المشكلة في الشك ليست قلة الحقائق والإثباتات، فقد غمرهم المسيح بها. إن المشكلة هي بالأحرى الفشل في ربط الحقائق والإثباتات معًا.

تحديد المشكلة

ليس السؤال ماذا يفعل الإنسان عند قلة الحقائق والإثباتات، بل عن ماذا يفعل عند كثرتها! إن عدم المقدرة على الإيمان يدلّ على مشكلة قلبية مُسبقة. فإن النقص ليس في الأدلة، بل النقص هو في المقدرة القلبية. فهذا يعني أنَّ سؤال المسيح لبطرس ’’لماذا شككت؟‘‘ ليس سؤالًا عن عدم إيمان بطرس، بل عن التقلقل، والتردد، وعدم اتخاذ القرار. وهذه الحالة هي التي تلغي كل الإثباتات وتتغاضى عنها! وما أمهر الإنسان في ذلك!

إنَّ الملامة للشك لا تقع على الله، بل على الإنسان الذي يشك. لذلك يمكن للعبادة أن تكون مقرونة بالشك! فيمكن للإنسان أن يصلي ويرنم ولكن بالوقت نفسه أن يشك بوجود الله أو بصفات الله.

إن الإعلان عن شك التلاميذ يسلِّط الضوء على أنَّ المشكلة هي داخل الإنسان، ولذا واجبه السعي للتغيير في قلبه. فيترك البشير متى المجال للقارئ أن يواجه نفسه.


المصدر: كتاب عماد شحاده، أيثق الله بك... أنك تثق به؟ الجزء الأول: الأخطاء الشائعة عن الشر والألم (بيروت، لبنان، دار منهل الحياة، ٢٠١٩)، والفصل الأول بعنوان ’’مشكلة الشك.‘‘